مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
266
تفسير مقتنيات الدرر
وقلَّب عاليها سافلها فإذا حضر هو يوم بدر فأيّ حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفّار ثمّ بتقدير حضوره فأيّ فائدة في إرسال سائر الملائكة ؟ وأيضا قال : إنّ أكابر الكفّار كانوا مشهورين وكلّ أحد منهم مقابله من الصحابة معلوم وإذا كان كذلك امتنع إسناد قتله إلى الملائكة . وأيضا قال : إنّ الملائكة لو قاتلوا لكانوا إمّا أن يصيروا بحيث أن يراهم الناس أو لا يراهم فإن رآهم الناس فإمّا أن يقال : إنّهم رأوهم في صورة الناس أو في غير صورة الناس فإن كان الأوّل فعلى هذا التقدير صار المشاهد من عسكر الرسول ثلاثة آلاف أو أكثر ولم يقل أحد بذلك ، وإن شاهدوهم في صورة غير صورة الناس لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق فإنّ من شاهد الجنّ لا شكّ أنّه يشتدّ فزعه ، وقال : إنّه على تقدير أنّ الملائكة إذا حاربوا وجزّوا الرؤوس ومزّقوا البطون وأسقطوا الكفّار عن الأفراس فحينئذ الناس كانوا يشاهدون حصول هذه الأفعال مع أنّهم ما كانوا شاهدوا أحدا من الفاعلين ومثل هذا من أعظم المعجزات ولو كانت الملائكة أجساما كثيفة وجب أن يراهم الكلّ وإن كانوا أجساما لطيفة مثل الهواء لم يكن فيهم صلابة وقوّة وكيف يكونوا راكبين على الخيول ؟ انتهى كلام أبي بكر الأصمّ في هذه الشبهات الركيكة لأنّها تليق بمن ينكر القرآن والنبوّة فأمّا من يقرّ بالقرآن والنبوّة فلا تليق به أن يتفوّه بمثل هذه الخرافات ونصّ القرآن ناطق بها وغير قابل للتأويل لأنّ التأويل جاز في كلام لا يجوز حمله على ظاهره وأنّه لو حمل على ظاهره لكان مخالفا للأصول أو الفروع المتّفق ، فأمّا مثل هذه الآية المحكمة ناطقة بهذا الأمر وشبهاته إذا قوبلت بقدرة اللَّه زالت وطاحت بالكلَّيّة يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . واستدلاله بقوّة جبرئيل ليس مناف كون ألوف من الملائكة مع جبرئيل من القوّة بل لعلّ يكون لأجل إجلال النبيّ في تلك الواقعة . وكذلك سائر استدلالاته بالنسبة إلى قضاء اللَّه وأمره أوهن من نسج العنكبوت ، انتهى . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 126 ] وَما جَعَلَه ُ اللَّه ُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِه ِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّه ِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ( 126 ) .